الشيخ الطوسي

261

تلخيص الشافي

وهذا غاية التحرز ونهاية التيقظ ، لأنا نعلم أنهما لو حكما بما في الكتاب لأصابا الحق وعلما ان أمير المؤمنين عليه السّلام أولى بالأمر ، وانه لاحظ لمعاوية وذويه في شيء منه . ولما عدلا إلى طلب الدنيا ، ومكر أحدهما بصاحبه ، ونبذا الكتاب وحكمه خرجا من التحكيم وبطل قولهما وحكمهما . وهذا بعينه موجود في كلام أمير المؤمنين لما ناظر الخوارج ، فاحتجوا عليه بالتحكيم . وكل ما ذكرناه - في هذا الفصل من الوجوه المحسنة له - مأخوذ من كلامه عليه السّلام ، فقد روى ذلك عنه مفصلا مشروحا . فأما تحكيمهما مع علمه بفسقهما ، فقد بينا ان الاكراه وقع على أصل الاختيار جملة ، ثم على تفصيله . ولو خلي عليه السّلام ، لما أجاب إلى التحكيم أصلا ولا رفع السيوف عن أعناقهم . وقد صرح بذلك في كلامه حيث يقول : « لقد أمسيت أميرا وأصبحت مأمورا . وكنت أمس ناهيا وأصبحت اليوم منهيا » « 1 » وكيف يكون التحكيم منه عليه السّلام دالا على الشك - وهو ناه عنه غير راض به ومصرح بما فيه من الخديعة - وانما يدل على شك من حمله عليه وقاده إليه . وانما يقال : ان التحكيم يدل على الشك إذا لم يعرف سببه والحامل عليه ، ولا وجه له الا الشك . فأما إذا عرف ما اقتضاه وادخل فيه فلا وجه لما قالوه . وقد أجاب عليه السّلام عن ذلك في مناظراته لما قالوا له : شككت فقال عليه السّلام : « أنا أولى ان لا أشك في ديني أم النبي صلى اللّه عليه وآله ، وما قال اللّه لرسوله قل فاتوا بكتاب من عند اللّه هو اهدى منهما ، اتبعه ان كنتم صادقين » . وقول السائل : إنه عرض إمامته للخلع ومكن الفاسقين من أن يحكما عليه بالباطل ، فمعاذ اللّه ان يكون كذلك . لأنا قد بينا انه عليه السّلام انما حكمهما بشرط لو وفيا به وعملا عليه ، لأقرا إمامته وأوجبا طاعته ، لكنهما عدلا عنه

--> ( 1 ) مروج الذهب للمسعودي أواخر الجزء الثاني